عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
191
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
قال محمد بن شرف فأنشدته حتى بلغت إلى قولي : كان القضاء إراثة فرددته * شورى ، ففاز بحقه المردود يا فضلها من سيرة عمريّة * هي للعباد رضى وللمعبود قال : فلما بلغت في الإنشاد إلى هذا الموضع أكبّ السلطان على يده وقد قبضها كالمطرق والمفاجأ بأمر يحتاج إلى الفكرة فيه وتماديت في الإنشاد ، والسّلطان لم يزل على حاله فيما أحسب ، حتى أتممت الشعر ، فخجلت للأمر وندمت على التغرير ، وبقيت بعد تمام الإنشاد أتشاغل بطيّ الدّرج الذي الشعر فيه ، ثم رفع رأسه وقال لي : أصرف الشّعر وأعد به غدا ثم قم فأنشده في آخر المجلس ، وإياك أن يعلم أحد بما أوجبت لك به ، فانصرفت والناس يتواعدون إلى البكور إلى السلطان لحضورهم تولية ابن هاشم في ظنهم ، فلما كان في غد ذلك المساء ، حضر النّاس وتهيأ ابن هاشم في خلعة القضاء ، وتأهب للولاية ، فلما استوى المجلس دعا السلطان بابن أبي زيد هذا ، فقدّمه للقضاء بغتة ما علم أحد بالأمر حتى كان ، ثم قمت فأنشدت الشّعر ، قال : فقوم يتعجبون من لغته ونسخ النية ، وقوم يتعجبون من تضمين الشّعر للمعنى في وقته ، لا يدرون ما السبب ، فكان يوما معجبا سرّ الناس به بتولية ابن أبي زيد ، وابتهلوا فيه بالدعاء للسلطان ، حتى علت أصواتهم بذلك ، ولما ولي القضاء على رغم كثير ممن ذكرنا ممن أحب ولاية ولد القاضي ابن هاشم من أشياخه وأتباعه ، أداهم ذلك عند ولاية قضائه إلى التصويب عليه بحبائل نصبوها ، وأكاذيب كذبوها ، وانتهى ذلك إلى السلطان فأمر بالنّداء بصبرة ، والقيروان ، بالاجتماع بالجامع ، وأكّد في أن لا يتخلّف أحد ، فاجتمع خلق عظيم ، وحضر القاضي ابن أبي زيد هذا وسائر الفقهاء ، ورجال السلطان وخاصته وجنده ، وكان من الكلام ما يطول شرحه ، وجملته أن سائر الفقهاء ؛ أجمعوا على أنه عادل في أحكامه ، كامل في أحواله ، ليس له جرحة يعزل بها إلا من شذ من اتباع من ذكرنا ، وجرى بين العوّام وسائر الفقهاء بعيدا من مجلس السلطان وعيانه أمر ، لولا هيبة المكان ، وحضور القوّاد ، لتفاقم الأمر ، وآل إلى سفك الدّماء ، أو ما يقرب منه ، ثم انجلت تلك الغيابة الناشئة في أفق الغيّ الحاملة لما شاءه الجهل من صواعق الطّغيان والبغي ، وأعقبها تأخره عن قضائهم ، وقال له السلطان : قد رأينا أن عزلك أروح لك في دينك ودنياك ، فأخرناك لا لجرحة . وكان تأخيره عن القضاء في آخر شهر رمضان من سنة ستة وثلاثين وأربعمائة .